إلى المحتوى الرئيسي

أن تعيش طفولتك في دوامة الحرب

الألمانية روزاليا بولين تعمل متحدثةً باسم اليونيسف في غزة. تتحدَّث في السطور التالية عما تُنفِّذه المنظمةُ على الأرض هناك.

Agnes Fazekas, 19.02.2025
مستشفى مدعوم من اليونيسف في قطاع غزة
مستشفى مدعوم من اليونيسف في قطاع غزة © UNICEF/UNI601724/El Baba
مساعداتٌ إغاثية ألمانية من أجل غزة

زادت ألمانيا من مساعداتها المُوجَّهة إلى الأراضي الفلسطينية بأكثر من 300 مليون يورو منذ الهجوم الذي شنته حركة حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 والحرب التي أعقبت ذلك في غزة. وينصب تركيزُ المساعدات على توفير المواد الغذائية والرعاية الطبية وكذلك معالجة المياه والوقاية من الأوبئة.

توزِّع منظمةُ الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) وبرنامج الأغذية العالمي بدعمٍ ألمانيّ سلالَ طعام ومُكمِّلاتٍ غذائية للرُضع والأطفال الصغار لتفادي حالات سوء التغذية. وتوفِّر منظمةُ الصحة العالمية ومنظماتٌ مثل الصليب الأحمر الألماني ويوهانيتر وكير الدولية وأوكسفام عياداتٍ متنقلة وفرقًا طبية لحالات الطوارئ ودعمًا نفسيًا اجتماعيًا للأسر المتضررة. كما يساهم برنامجُ الأمم المتحدة الإنمائيُّ في التخلُّص من النفايات لمنع تفشِّي الأمراض.

سيدة بولين، كنتِ تعملين بالفعل مع الأمم المتحدة في غزة قبل الحرب وأنتِ منذ سبتمبر/أيلول 2024 متحدثةٌ باسم اليونيسف هناك. كيف تعايشين الأوضاعَ في القطاع؟

لقد زرتُ غزةَ في ربيع عام 2024 للمرة الأولى بعد اندلاع الحرب؛ مررنا عبر شوارع خان يونس في الجنوب. لم تعد هناك مدينة، بل مشهدٌ مُروِّعٌ من الأنقاض والرمال والحفرُ الضخمة. كما لو أن زلزالاً قد وقع هناك وقضى على كل أشكال الحياة. في الواقع، كان معظمُ السكان قد نزحوا من المدينة. لكننا اكتشفنا بعد ذلك وجودَ بعض الأشخاص. عائلةٌ اتخذت بيتًا من بنايةٍ بدت وكأنها ستنهارُ في أيِّ لحظةٍ، وقد نُسِف طابقُها العلويّ: الأطفالُ حول أخشابٍ مشتعِلة، والأمُ تطبخ. وفي الحطام المجاور، أقام أحدُ الأشخاص ما بدا للوهلة الأولى كشكًا يبيعُ الطعامَ المُعلَّب. حفرت مشاهدُ ما بعد نهاية العالم هذه لنفسها مكانًا عميقًا في ذاكرتي.

روزاليا بولين هي المتحدثةُ باسم منظمة اليونيسف للطفولة.
روزاليا بولين هي المتحدثةُ باسم منظمة اليونيسف للطفولة. © UNICEF

في بعض الأحيان، لا تصل سوى 45 شاحنةً من المساعدات إلى قطاع غزة يوميًا مقارنةً مع 500 شاحنة قبل الحرب.

لقد أصبح البيضُ وأغذيةُ الأطفال والشامبو من السلع الترفيهية. ولكن حتى الدقيق والموادُ الغذائية المُعلَّبة لم تعد كافيةً في وقتٍ ما. وهذا بدوره جلب مجموعاتٍ إجرامية إلى الساحة  –لصوص مُنظَّمون ومسلَّحون أغلقوا الطرقات وهاجموا شاحناتنا وكسروا أذرعَ السائقين وأضلاعهم. واحتجزوا في بعض الحالات البضائعَ ورفعوا الأسعارَ أكثر مما كانت عليه – في دوامةٍ شيطانية لا تنتهي. في بداية الحرب، كانت لا تزال هناك "الشرطةُ الزرقاءُ" الفلسطينية، ولكن بسبب استهداف مركباتهم مرارًا وتكرارًا من قِبل سلاح الجو الإسرائيليّ، اختفوا من المشهد، وزال معهم أيُّ شعورٍ بالقانون والنظام.

الخوفُ من ضياع جيلٍ أمرٌ واقعيٌّ للغاية.
روزاليا بولين، المتحدِّثة باسم اليونيسف في غزة

تنشط اليونيسف في غزة بدعمٍ ألمانيّ في مجالاتٍ مختلفة. ما الذي تستطيعون تقديمه للأطفال؟

تُعدّ ألمانيا داعمًا مهمًا جدًا لجميع برامجنا في غزة. ينصبّ تركيزُنا على حقوق الأطفال، والتي تتعرَّض للتقليص والانتقاص غالبًا في حرب غزة. نهتمُ أولاً وقبل كل شيء بالإمدادات الأساسية: نوزِّع بمساعدةٍ ألمانية البسكويت وأغذية الأطفال المُعزَّزة بالفيتامينات والمعادن على العائلات، على سبيل المثال. لقد أُصيب العديدُ من الأطفال بجروحٍ خطيرة في الغارات الجوية وفقدوا أطرافهم – ونحن نحاول تزويدَهم بكراسيّ متحركة أو غيرها من المساعدات الطبية. 

اليونيسف تزود الأطفال في غزة بكراسي متحركة.
اليونيسف تزود الأطفال في غزة بكراسي متحركة. © UNICEF/UNI601724/El Baba

يهمنا للغاية كذلك تقديمُ الدعم الذهنيّ والنفسيّ الاجتماعيّ للأطفال. ويشمل ذلك الدعمُ التعليمَ. قد يُعتقَد أن المدرسة تأتي في أسفل القائمة خلال الحرب، ولكن على العكس تمامًا؛ فالكثير من الآباء والأمهات يشعرون بالقلق من أن تضيع على أطفالهم الآن سنةٌ أخرى من الدراسة. الخوفُ من ضياع جيلٍ أمرٌ واقعيٌّ للغاية. لقد دُمِّرت معظمُ المدارس، بينما تُستخدم أخرى كملاجئ. يوجد مخبزٌ كبيرٌ مقابل مكتب اليونيسف في المواصي. أرى كل صباحٍ أطفالًا صغارًا يتشاجرون على الخبز وسط الزحام، أحدُهم مع الآخر ومع البالغين أيضًا – هكذا تبدو حياتُهم اليومية. لقد دشَّنت اليونيسف 75 "غرفةً تعليمية" مزوَّدةً بمواد تعليمية في خيامٍ ضخمة متعددة الأغراض منذ بداية الحرب، ويرجع الفضل في ذلك جزئيًا إلى التبرعات الألمانية. ولأن الحاجةَ كبيرةٌ جدًا، يُقسَّم الأطفالُ إلى نوباتٍ أو ورديات. ساعاتٌ قليلة لا يتلّقون فيها دروسًا غير رسمية في الرياضيات واللغة الإنجليزية واللغة العربية فحسب، بل يرسمون كذلك ويلعبون – في بيئةٍ صديقةٍ للأطفال. في عام 2024، استفاد 85,000 طفل من هذه الغرف. كما ركّبنا هنالك أيضًا محطات مياه: يعرف الأطفالُ أنه يمكنهم هنا الذهاب إلى المرحاض بسلام، وغسل أيديهم، والحصول على مياه الشرب والصابون – شيءٌ من الحياة الطبيعية.

يسري وقفٌ لإطلاق النار منذ 19 يناير/كانون الثاني 2025. ومنذ ذلك الحين، تصل مساعداتٌ إنسانية أكثرُ بكثير إلى قطاع غزة. كيف تسير جهودُ الإغاثة؟

نعم، تصل المساعداتُ الإغاثيةُ الآن إلى المستودعات كما هو مُخطَّطٌ لها ويتسنى توزيعُها على الفور. منذ بدء وقف إطلاق النار، لم أرَ المزيدَ من اللصوص المُلثَّمين والمُسلَّحين على المعبر، وبدلاً منهم يقف الآن رجالٌ يحملون العصيّ ويتناوبون على الحراسة. يمكن القول إن الشرطةَ عادت للانتشار في الشوارع مرةً أخرى.

ماذا يحدث الآن على الأرض؟

لدينا وضعٌ خاص في غزة، لأنها عمليًا معزولةٌ عن العالم. علينا أن نمنح القطاعَ الخاص إمكانيةَ الدخول إلى القطاع. ويجب أن يتمكَّن التجارُ من إدخال المواد الغذائية الطازجة. ويجب أن تكون هناك صيدلياتٌ، يمكن للآباء والأمهات شراء الحفاضات منها. ويجب أن يُسمح لنا نحن منظمات الإغاثة بالتركيز على ما نقوم به على أفضل وجه. في حالة اليونيسف، على سبيل المثال، يتمثل ذلك في توسيع الغرف التعليمية. سيمر وقتٌ طويلٌ جدًا قبل أن يتمكَّن الأطفالُ من الالتحاق بمدرسةٍ عاديةٍ مرةً أخرى. لكن الأمر لا يتعلَّق فقط بالمستقبل. في الوقت الحالي، يتعلَّق الأمرُ في المقام الأول بتعافيهم الذهنيّ: إنه يتمحور حول الروتين اليوميّ، وأن يُسمَح لهم بمقابلة الأصدقاء وبأن يكونوا أطفالاً.