السيارة: رمز الحرية والتكنولوجيا العالية المصنوعة في ألمانيا
تشكل صناعة السيارات ركيزة أساسية للاقتصاد الألماني، وهي صناعة مثيرة للاهتمام بفضل ابتكاراتها، كما أنها تشهد تغيرات عميقة.

لا يكاد يوجد صناعة أخرى مرتبطة بشكل وثيق بصورة ألمانيا كموقع للتكنولوجيا المتفوقة مثل صناعة السيارات. منذ أن اخترع كارل بنز السيارة في عام 1886، أصبحت ألمانيا موطنًا لبعض أشهر العلامات التجارية للسيارات في العالم. تمثل أسماء مثل مرسيدس بنز، وبي إم دبليو، وفولكس فاغن، وبورشه، وأودي الريادة الألمانية في الهندسة والابتكار. بالنسبة للعديد من الناس حول العالم، ترمز السيارة إلى الحرية والتقدم، فهي واحدة من أكثر المنتجات إثارة للمشاعر على الإطلاق. وتعرف الشركات المصنعة الألمانية كيفية الجمع بين هذه المشاعر والتكنولوجيا الحديثة والتصميم الجذاب.
صناعة السيارات: القلب النابض في الاقتصاد الألماني
تشكل صناعة السيارات ركيزة أساسية للاقتصاد الألماني وتحتل أيضًا مكانة بارزة على المستوى العالمي. ففي عام 2023، حققت هذه الصناعة مبيعات إجمالية تجاوزت 564 مليار يورو، منها حوالي 171 مليار يورو جاءت من السوق المحلية. يعمل حوالي 780 ألف شخص بشكل مباشر في صناعة السيارات الألمانية. وبالإضافة إلى ذلك، يعمل مئات الآلاف من الأشخاص في قطاعات ذات صلة بهذا القطاع، مثل وكالات السيارات وورش إصلاح السيارات، وكذلك في المصانع الأجنبية. ففي شركة فولكسفاغن وحدها وماركاتها العشرة يعمل حوالي 680000 إنسان في مختلف أرجاء العالم.
عصب الصادرات الألمانية
من الواضح تماما توجه قطاع السيارات الألماني نحو التصدير. ففي عام 2023، صدرت الشركات المصنعة الألمانية 3,1 مليون سيارة إلى الخارج، حيث بلغت حصة التصدير ما يقرب من 76 بالمائة. وتعتبر الولايات المتحدة والصين من بين أكبر الأسواق. وقد وصل إجمالي عدد السيارات السياحية التي أنتجتها الشركات الألمانية خلال العام 2023 إلى حوالي 14,1 مليون سيارة، منها 4,1 مليون تم إنتاجها في ألمانيا.
العامل الرئيسي لنجاح الصناعة هو صناعة الموردين. حيث تعد شركات مثل ZF فريدريكسهافن وبوش وكونتيننتال وشيفلر رائدة في العديد من التقنيات الرئيسية. باعتبارها واحدة من أكبر موردي تجهيزات السيارات في العالم، تعتبر شركة بوش، من بين أمور أخرى، رائدة في تطوير أنظمة مساعدة السائق القائمة على الذكاء الاصطناعي والتي تجعل القيادة الذاتية على المستويين 3 و4 ممكنة.
كومبيوتر متنقل
منذ زمن بعيد تحولت السيارات إلى كومبيوتر متنقل. الشاشة العالية التقنية تزداد حجما ووظيفة في السيارة باستمرار، كما يزداد عدد التطبيقات المصممة بشكل خاص، ووظائف تقديم المعلومات الذاتية. وعلى سبيل المثال نال نظام «MBUX» من شركة مرسيدس بنز العديد من الجوائز، وهو يعتبر من أحدث الأنظمة المساعدة. يقدم طراز «الشاشة الهجينة»، شاشة كبيرة منحنية تحت سطح زجاجي. يتعلم الذكاء الاصطناعي باستمرار من سلوك السائق، ويقترح التحكم الصوتي الروتينات ويتكيف معها. في معرض الإلكترونيات الاستهلاكية (CES) 2025، قدمت شركة BMW نظام «القيادة البانورامية» (Panoramic iDrive)، والذي تم تصميمه لتحقيق التكامل السلس للمعلومات والترفيه. يتكون العنصر الأساسي من شاشة عرض أمامية تعرض المحتوى عبر كامل عرض الزجاج الأمامي للسيارة.
تلعب الرقمنة دورًا محوريًا في المنافسة الدولية المتزايدة الصعوبة، كما أن الإمكانات المتنوعة للذكاء الاصطناعي والقيادة الذاتية بدأت تكتسب زخمًا متزايدًا. لعقود من الزمن، كانت السيارات الألمانية تعتبر رائدة السوق بفضل محركات الاحتراق وناقلات الحركة والمكونات الأخرى، فضلاً عن موثوقيتها وجودة تصنيعها. لكن الأيام التي كان بإمكان المصنعين فيها أن يسكنوا لما حققوه من نجاح، قد ذهبت وباتت من الماضي. فالمستقبل سيكون من نصيب المركبات المتواصلة مع حلول برمجية متطورة.

التنقُّل الكهربائيّ: منافسة قوية
لا تحتاج صناعة السيارات الألمانية إلى زيادة سرعتها فحسب فيما يتعلق بالبرمجيات، بل أيضًا فيما يتعلق بالتنقل الكهربائي، حيث يجب أن «تدوس البنزين»، أو بالأحرى: «تدوس الكهرباء». إن القواعد الصارمة المتعلقة بغاز ثاني أكسيد الكربون تجبر الصناعة بأكملها على إيجاد حلول صديقة للمناخ. صحيح أن كافة الشركات المصنعة الألمانية قد قدمت إلى الأسواق سيارات هجينة عالية الجودة ومركبات كهربائية بالكامل. إلا أنها باهظة الثمن إلى حد ما. وهذا يرجع جزئيا إلى ارتفاع تكاليف الطاقة والإنتاج والعمالة في ألمانيا. يقول شتيفان براتزل، رئيس مركز إدارة السيارات: «في حين أن نطاق وقدرة شحن النماذج الكهربائية تتطور بشكل جيد نسبيًا، فإن التقدم الذي أحرزته صناعة التنقل الكهربائي في ألمانيا يعاني بشكل كبير من أسعار الشراء التنافسية مقارنة بمحركات الاحتراق». علاوة على ذلك، يشق المصنعون الصينيون طريقهم إلى السوق بنماذج كهربائية متقدمة وبأسعار معقولة. ويتعين على الموردين الألمان بذل الكثير من الجهود لمواكبة التطورات، وخاصة في مجال تكنولوجيا البطاريات. كما أن البنية التحتية للشحن ما زالت غير كافية في أجزاء كبيرة من أوروبا. إن حالة عدم اليقين الجيوسياسي والسياسات التجارية، مثل فرض الحواجز الجمركية الوشيكة في الولايات المتحدة، قد تزيد من تعريض المبيعات العالمية للخطر. ومن ثم فإن التحول السريع نحو التنقل الخالي من الانبعاثات والمعتمد على الرقمية في ظل ظروف تنافسية متزايدة يشكل تحديًا هائلاً، وهو ما يؤدي بالفعل إلى خفض أعداد الموظفين في بعض الشركات.
استثمارات كبيرة وبصيص نور يلوح في الأفق
ولكن هذه الضغوط نحو مزيد من العمل، تؤتي ثمارها ومفعولها أشبه بجهاز «توربو»: بحسب اتحاد صناعة السيارات الألماني (VDA)، فقد وضع المصنعون لأنفسهم هدفًا طموحًا يتمثل في إنشاء أفضل المنتجات الرقمية والمحايدة للمناخ في العالم من أجل التنقل في المستقبل. في عام 2023 وحده، استثمرت الصناعة 58,4 مليار يورو في البحث والتطوير. ومن المقرر استثمار ما مجموعه 320 مليار يورو في الابتكارات بين عامي 2025 و2029. هذا بالإضافة إلى حوالي 220 مليار يورو من الاستثمارات في العقارات والمصانع والمعدات، وخاصة في مرافق الإنتاج الحديثة.
قالت رئيسة اتحاد صناعة السيارات VDA هيلديغارد مولر في مقابلة أجريت معها مؤخرا: «إن تحويل صناعتنا يمثل مهمة هائلة». ولكن إذا نظرنا إلى التغيير باعتباره فرصة، «فربما ينتهي بنا الأمر إلى الحصول على أفضل الحلول وأكثرها كفاءة لكل احتياجات التنقل».
وهناك علامات على تحسن الأمور: حيث يتوقع اتحاد صناعة السيارات الألماني (VDA) تسجيل 873 ألف سيارة كهربائية جديدة في ألمانيا خلال عام 2025، وهو نمو بنسبة 53 في المائة مقارنة بعام 2024. وتشهد السيارات الكهربائية التي تعمل بالبطاريات على وجه الخصوص نمواً، ومن المتوقع أن تزيد بنسبة 75 في المائة لتصل إلى 666 ألف سيارة في ذات الوقت، من المتوقع أن يرتفع الإنتاج المحلي للسيارات الكهربائية بنسبة 24 في المائة إلى حوالي 1,7 مليون سيارة كهربائية، بعد أن وصل بالفعل إلى رقم قياسي للإنتاج في عام 2024. وتعمل ألمانيا على تعزيز مكانتها باعتبارها ثاني أكبر موقع لإنتاج السيارات الكهربائية في العالم (بعد الصين).